قوله عز وجل: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} (لولا) هنا بمعنى هلا، تعضده قراءة من قرأ: (فهلا كانت) وهما أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما -، ومعناه النفي، أي: فما كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها إلّا قوم يونس، والاستثناء منقطع في اللفظ، بمعنى: ولكن قوم يونس؛ لأن المستثنى منه القرية وليست من جنس القوم متصل في المعنى؛ لأن المراد أهلها، فانتصاب القوم على هذا على أصل الاستثناء، وقد ذكرت آنفًا أن معناه النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلّا قوم يونس.
وقرئ: (إلّا قومُ) بالرفع، إمَّا على البدل نظرًا إلى المعنى، إذ معنى الكلام النفي محمولًا على المعنى إذ المراد أهل القرية، وإمّا على الصفة نظرًا
إلى اللفظ دون المعنى وجعل إلّا بمعنى غير، وهو صفة لأهل قرية المقدَّر، أي: هَلّا كان أهل قرية غيرُ قوم يونس آمنوا حين ينفعهم الإِيمان.
فإن قلت: قد شرطتِ النحاةُ أَنَّ (إلّا) إذا حمل على (غير) وجعل وصفًا لما قبله أن يكون بعد كلام موجب، نحو: جاءني القوم إلّا زيدٍ، ومررت بالقوم إلّا زيدٍ، وأنت قد ذكرت أن معناه النفي، فكيف يستقيم هذا؟.
قلت: قد نبهت على ذلك بقولي: نظرًا إلى اللفظ دون المعنى.
و {يُونُسَ} : اسم أعجمي، والمانع له من الصرف العجمة والتعريف، وعن الأعمش: كسر نونه على أنه عربي، وهو مستقبل آنسَ، والمانع له على هذا من الصرف التعريف والوزن المختص به الفعل، وقد حُكي أيضًا فتح نونه على أنه فعل مستقبل مبني للمفعول.
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) } :
قوله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} ارتفاع قوله: {كُلُّهُمْ} على التأكيد لقوله: {مَنْ فِي الْأَرْضِ} .