وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِأَبْدَانِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا . وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ بَاذِلًا لِبَدَنِهِ الْفَانِي لَا لِرُوحِهِ الْبَاقِيَةِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَبِيعَ لِرَبِّهِ جَسَدَهُ دُونَ نَفْسِهِ النَّاطِقَةِ كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفِينَ .
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَكَبَّرَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثَانِيًا طَرَفَيْ رِدَائِهِ عَلَى عَاتِقِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُنْزِلَتْ فِينَا هَذِهِ الْآيَةُ ؟ قَالَ: (نَعَمْ) فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ ، لَا نُقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ - يَعْنِي الْبَيْعَ - .
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اشْتَرِطْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ فَقَالَ: (أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا ؟ قَالَ: (الْجَنَّةُ) قَالَ: رَبِحَ الْبَيْعُ لَا نُقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ . فَنَزَلَتِ الْآيَةُ . وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُبَايَعَةِ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ .