الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ التَّائِبِينَ الْعَابِدِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ وَلَكِنَّهُ رَفَعَ، إِذْ كَانَ مُبْتَدَأٌ بِهِ بَعْدَ تَمَامِ أُخْرَى مِثْلِهَا، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمَعْنَى التَّائِبُونَ: الرَّاجِعُونَ مِمَّا كَرِهَهُ اللَّهُ وَسَخِطَهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَرَأَ:" {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} قَالَ: تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ وَبَرِئُوا مِنَ النِّفَاقِ"
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،" {التَّائِبُونَ} قَالَ: الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ لَمْ يَعُودُوا فِيهَا"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {الْعَابِدُونَ} فَهُمُ الَّذِينَ ذَلُّوا خَشْيَةً لِلَّهِ وَتَوَاضُعًا لَهُ، فَجَدُّوا فِي خِدْمَتِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ،" {الْعَابِدُونَ} قَوْمٌ أَخَذُوا مِنْ أَبْدَانِهِمْ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ"
قَالَ الْحَسَنُ" {الْعَابِدُونَ} : عَبَدُوا اللَّهَ عَلَى أَحَايِينِهِمْ كُلِّهَا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {الْحَامِدُونَ} فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ مَا امْتَحَنَهُمْ بِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
قَالَ الْحَسَنُ:" {الْحَامِدُونَ} الَّذِينَ حَمِدُوا اللَّهَ عَلَى أَحَايِينِهِمْ كُلِّهَا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {السَّائِحُونَ} فَإِنَّهُمُ الصَّائِمُونَ.
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ:"سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّائِحِينَ، فَقَالَ: «هُمُ الصَّائِمُونَ» "
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"كُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ السِّيَاحَةَ: هُمُ الصَّائِمُونَ"
عَنْ قَتَادَةَ، «السَّائِحُونَ قَوْمٌ أَخَذُوا مِنْ أَبْدَانِهِمْ صَوْمًا لِلَّهِ»
وَقَوْلُهُ: {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ}
يَعْنِي: الْمُصَلِّينَ الرَّاكِعِينَ فِي صَلَاتِهِمُ السَّاجِدِينَ فِيهَا