{وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}
يَقُولُ: يَسْتَبْدِلِ اللَّهُ بِكُمْ نَبِيَّهُ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، يَنْفِرُونَ إِذَا اسْتُنْفِرُوا، وَيُجِيبُونَهُ إِذَا دُعُوا، وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
{وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا}
يَقُولُ: وَلَا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِكُمُ النَّفِيرَ وَمَعْصِيَتِكُمْ إِيَّاهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ أَهْلُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْكُمْ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ عَلَى إِهْلَاكِكُمْ وَاسْتِبْدَالِ قَوْمٍ غَيْرِكُمْ بِكُمْ وَعَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ احْتِبَاسَ الْقَطْرِ عَنْهُمْ.
[عن] ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ، فَأُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَذَابَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} "
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ
عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَالَ:" {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وَقَالَ: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلَتْهَا: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} إِلَى قَوْلِهِ: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَا خَبَرَ بِالَّذِي قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرُوا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَلَا حُجَّةَ تَأْتِي بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَقَدْ رَأَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِذَلِكَ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَنَذْكُرُهُمْ بَعْدُ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} لِخَاصًّ مِنَ النَّاسِ، وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَنِ اسْتَنْفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْفِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.