عَنْ مُجَاهِدٍ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} قَالَ: حَجُّوا فِي ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ، فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، حَتَّى وَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرَ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَةٍ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَابِلٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ.
وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لِيُوَاطِئُوا} فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَاطَأْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا أُوَاطِئُهُ مُوَاطَأَةً: إِذَا وَافَقْتُهُ عَلَيْهِ، مُعِينًا لَهُ، غَيْرَ مُخَالِفٍ عَلَيْهِ.
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ" {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} يَقُولُ: يُشَبِّهُونَ"
وَذَلِكَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا بَيَّنَّا، وَذَلِكَ أَنَّ مَا شَابَهَ الشَّيْءَ فَقَدْ وَافَقَهُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي شَابَهَهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ بِعِدَّةِ الشُّهُورِ الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا، وَإِنْ قَدَّمُوا وَأَخَّرُوا فَذَلِكَ مُوَاطَأَةُ عِدَّتِهِمْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) }