وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِهِ لِقَوْلِهِ: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ} فَأَخْرَجَ الْكِنَايَةَ عَنْهُ مَخْرَجَ الْكِنَايَةِ عَنْ جَمْعٍ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ إِذَا كَنَّتْ عَنْهُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ، وَلِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بَقِينَ، وَإِذَا أَخْبَرَتْ عَمَّا فَوْقَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ، قَالَتْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ، وَلِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مَضَتْ. فَكَانَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} وَإِخْرَاجِهِ كِنَايَةَ عَدَدِ الشُّهُورِ الَّتِي نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ظُلْمِ أَنْفُسِهِمْ فِيهِنَّ مَخْرَجَ عَدَدِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْهَاءَ وَالنُّونَ مِنْ ذِكْرِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ الِاثْنَيِ الْعَشَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كِنَايَةً عَنِ الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لَكَانَ: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهَا أَنْفُسَكُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ذَكَرْتَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِهَا إِخْرَاجُ كِنَايَةِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ بِالْهَاءِ دُونَ النُّونِ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
أَصْبَحْنَ فِي قُرْحَ وَفِي دَارَاتِهَا ... سَبْعَ لَيَالٍ غَيْرَ مَعْلُوفَاتِهَا
وَلَمْ يَقُلْ: مُعْلُوفَاتِهِنَّ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ السَّبْعِ؟
قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَلَيْسَ الْأَصَحَّ الْأَعْرَفَ فِي كَلَامِهَا، وَتَوْجِيهُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ الْأَعْرَفِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا لَنَا ظُلْمُ أَنْفُسِنَا فِي غَيْرِهِنَّ مِنْ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ؟