يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ} الَّذِي كَتَبَ فِيهِ كُلَّ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي قَضَائِهِ الَّذِي قَضَى {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} يَقُولُ: هَذِهِ الشُّهُورُ الِاثْنَا عَشَرَ، مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حُرُمٌ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُهُنَّ وَتُحَرِّمُهُنَّ وَتُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِيهِنَّ، حَتَّى لَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِيهِنَّ قَاتَلَ أَبِيهِ لَمْ يَهِجْهُ. وَهُنَّ: رَجَبُ مُضَرَ وَثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ.
وَبِذَلِكَ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ: «يَاأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، أَوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ»
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: هَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، مِنْ أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَّ مِنْهَا أَرْبَعَةً حُرُمًا: هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَلَا تَعْصُوا اللَّهَ فِيهَا، وَلَا تُحِلُّوا فِيهِنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَتَكْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَهَا بِهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عَادَتْ عَلَيْهِ الْهَاءُ وَالنُّونُ فِي قَوْلِهِ: {فِيهِنَّ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَادَ ذَلِكَ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَالَ: مَعْنَاهُ: فَلَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ كُلِّهَا أَنْفُسَكُمْ