قال: فوضع القوم رؤوسهم ، فما رأيت أحداً منهم رجع إليه شيئاً . قال: وأدبر واتبعتُه حتى جلس إلى معاوية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم ، فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئاً ، إنما يجمعون الدنيا - رواه مسلم ، وللبخاري نحوه - .
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: ( ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهباً ، يمر عليّ ثلاثة أيام ، وعندي منه شيء ، إلا دينار أرصده لدين ) .
قال ابن كثير: فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا .
أي: وما أخرجه الشيخان أيضاً عنه ، قال: انتهيت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة ، فلما رآني قال: ( هم الأخسرون ورب الكعبة ! ) قال: فجئت حتى جلست ، فلم أتقارّ حتى قمت فقلت: يا رسول الله ! فداك أبي وأمي ، من هم ؟ قال: ( هم الأكثرون أموالاً ، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ، من بين يديه من خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، وقليل ما هم ) .
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه ، أنه كان مع أبي ذر ، فخرج عطاؤه ومعه جارية ، فجعلت تقضي حوائجه ، ففضلت معها سبعة ، فأمرها أن تشتري به فلوساً .
قال: قلت: لو ادخرته لحاجة يومك ، وللضيف ينزل بك قال: إن خليلي عهد إليّ أن أيّما ذهب أو فضة أوكئ عليه ، فهو جمر على صاحبه ، حتى يفرغه في سبيل الله عزّ وجلّ إفراغاً .
قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة ، تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت ، وسداد العيش ، فهو كنز يذم فاعله ، وأن آية الوعيد
نزلت في ذلك ، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة ، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي ، حيث قال: هل عليّ غيرها قال: ( لا ، إلا أن تَطَوَّعَ ) . انتهى .