فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ بِحَالٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّمَا كُوِيَتْ جَبْهَتُهُ أَوَّلًا لَعَلَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَزْوِيهَا لِلسَّائِلِ كَرَاهِيَةً لِسُؤَالِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ عَنِّي كَأَنَّمَا زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَلَيَّ الْمَحَاجِمَ فَلَا يَنْبَسِطْ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْك مَا انْزَوَى
وَلَا تَلْقَنِي إلَّا وَأَنْفُك رَاغِمُ ثُمَّ يَلْوِي عَنْ وَجْهِهِ، وَيُعْطِيهِ جَنْبَهُ إذَا زَادَهُ فِي السُّؤَالِ؛ فَإِنْ أَكْثَرَ عَلَيْهِ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ؛ فَرَتَّبَ اللَّهُ الْعُقُوبَةَ عَلَى حَالِ الْمَعْصِيَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:"مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ طَوَّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَنْقُرُ رَأْسَهُ".
فَلَعَلَّهُ إنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْكَيُّ مِنْ خَارِجٍ، وَالنَّقْرُ مِنْ دَاخِلٍ.
وَقَالَتْ الصُّوفِيَّةُ: لَمَّا طَلَبُوا بِكَثْرَةِ الْمَالِ الْجَاهَ شَانَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ، وَلَمَّا طَوَوْا كَشْحًا عَنْ الْفَقِيرِ إذَا جَالَسَهُمْ كُوِيَتْ جَنُوبُهُمْ، وَلَمَّا أَسْنَدُوا بِظُهُورِهِمْ إلَى أَمْوَالِهِمْ ثِقَةً بِهَا وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا دُونَ اللَّهِ كُوِيَتْ ظُهُورُهُمْ، هَذَا وَالْكُلُّ مَعْنًى صَحِيحٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إنْ كَانَ الْمُكْتَنِزُ كَافِرًا فَهَذِهِ بَعْضُ عُقُوبَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَهَذِهِ عُقُوبَتُهُ إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّمَا عَظُمَ الْوَعِيدُ فِي هَذَا الْبَابِ لِمَا فِي اخْتِلَافِ الْعِبَادِ مِنْ الشُّحِّ عَلَى الْمَالِ وَالْبُخْلِ بِهِ؛ فَإِذَا خَافُوا مِنْ عَظِيمِ الْوَعِيدِ لَانُوا فِي أَدَاءِ الطَّاعَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 2 صـ}