وذلك كله يقتضي تعظيمه ومحبته سبحانه، وعبادته وطاعته؛ لإحسانه إلى عباده، وإسباغ نعمه عليهم.
وكتاب الله عزَّ وجلَّ مملوء من ذكر حاجة العبيد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا.
فعلى العبد التوكل على ربه وحده، والشكر له ومحبته على إحسانه، وفي تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة على عبودية الله وتفريغ قلبه له.
والله سبحانه غني حميد، كريم رحيم، فهو المحسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه، ولا يدفع مضرة، بل رحمة منه وإحساناً.
فالله تبارك وتعالى كامل الذات والأسماء والصفات، محسن لذاته، رحيم لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته، كما أنه غني لذاته، قادر لذاته، حي لذاته.
فإحسانه وجوده، وبره ورحمته من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك، كما أن قدرته وغناه، وعلمه وحلمه من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك.
وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لمصالحهم:
فإنهم إذا أحبوا أحداً طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواء أحبوه لجماله أو شجاعته أو رياسته أو كرمه.
وإن جلبوا له منفعة أو دفعوا عنه مضرة فهم يطلبون العوض، إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملوك، وأجراء المستأجر، كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم.
فكل واحد من الخلق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، فإن دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه.
وأما الرب سبحانه فهو يريدك لك ولمنفعتك، لا لينتفع بك، فهي منفعة محضة لك لا ضرر فيها: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) } [العنكبوت: 6] .
فليتدبر العاقل ذلك حق التدبر، فملاحظته تمنعه أن يرجو المخلوق، أو يطلب منه منفعة له، فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلاً أو آجلاً، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك، لا نفعك بنفسه.