وقد أنزل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي صدر فيه منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلاء المشركين ، وتساءل العلماء: هل الممنوع والمحرم هو اقتراب المشرك من المسجد الحرام ، أم من الحرم كله؟ وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام . ومع احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول: إن الحق سبحانه وتعالى قال: {فَلاَ يَقْرَبُواْ} ولم يقل: فلا يدخلوا . وتحريم الاقتراب يعني ألا يكونوا قريبين منه ، وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم ، ولو كان المراد هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك .
وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق . ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب . والغيب - كما عرفنا - هو ما يغيب عنك وعن غيرك ، أما الشيء الذي يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فلا يكون غيباً ، فإذا سرق منك مال مثلاً فأنت لا تعرف من الذي سرق ، والسارق في هذه الحالة غيب عنك ، ولكنه ليس غيباً عن غيرك ؛ فالسارق يعرف نفسه ؛ والذي دبر له الجريمة يعرفه ، ومن رآه وستر عليه يعرفه . وأنت - أيضاً - لا تعرف مكان المسروقات ، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه .
إذن: فهي غيب عنك وليست غيباً عن غيرك . وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يُسخِّرون الجن ، فما دام الشيء معروفاً ومعلوماً لغيرك من الناس ؛ فالكشف عنه مسألة سهلة ، ولكنّ هناك غيباً عنك وعن غيرك ، وهذا هو ما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى في قوله سبحانه: {عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ...} [الجن: 26 - 27] .