الثاني: قال السيوطي في"الإكليل"في قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} : إن الكافر يمنع من دخول الحرم ، وإنه لا يؤذن له في دخوله ، لا للتجارة ولا لغيرها ، وإن كانت مصلحة لنا ، لأن المسجد الحرام حيث أطلق في القرآن فالمراد به الحرم كله ، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء وغيرهم .
واستدل بظاهر الآية من أباح دخوله الحرم سوى المسجد ، لقصره في الآية عليه ، واستدل الشافعي بظاهر الآية على أنهم لا يمنعون من دخول سائر المساجد ، لقوله: {الحرام} ، وقاس عليه غيره سائرَ المساجد .
واستدل أبو حنيفة بظاهرها أيضاً على أن الكتابي لا يمنع ، دخوله لتخصيصه بالمشرك . انتهى . وهو المتجّه .
قال الشهاب: وبالظاهر أخذ أبوحنيفة رحمه الله تعالى ، إذ صرف المنع عن دخوله الحرم للحج والعمرة ، بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} ، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم ، وهو ظاهر ، أي: لأن موضع التجارات ليس عين المسجد . ونداءُ عليّ كرم الله وجهه بقوله: ( ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ) ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، يعيّنه ، فلا يقال إن منطوق الآية يخالفه . انتهى .
الثالث: قال الناصر: قد يستدل بقوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ} الآية ، من يقول إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، وخصوصاً بالمناهي ، فإن ظاهر الآية توجه النهي إلى المشركين ، إلا أنه بعيد ، لأن المعلوم من المشركين أنهم لا ينزجرون بهذا النهي ، والمقصود تطهير المسجد الحرام بإبعادهم عنه ، فلا يحصل هذا المقصود إلا بنهي المسلمين عن تمكينهم من قربانه .
ويرشد إلى أن المخاطب في الحقيقة المسلمون ، تصديرُ الكلام بخطابهم في قوله: