وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمْ أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ آلَافِ سَبْيٍ، ثُمَّ جَاءَ قَوْمُهُمْ مُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ خَيْرُ النَّاسِ، وَأَبَرُّ النَّاسِ، وَقَدْ أَخَذْتَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ، وَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ، اخْتَارُوا إِمَّا ذَرَارِيَّكُمْ وَنِسَاءَكُمْ وَإِمَّا أَمْوَالَكُمْ» قَالُوا: مَا كُنَّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونِي مُسْلِمِينَ، وَإِنَّا خَيَّرْنَاهُمْ بَيْنَ الذَّرَارِيِّ وَالْأَمْوَالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا، فَمَنْ كَانَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ فَطَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَرُدَّهُ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ، وَمَنْ لَا فَلْيُعْطِنَا، وَلْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنَا حَتَّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكَانَهُ» فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ رَضِينَا وَسَلَّمْنَا. فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلَّ مِنْكُمْ مَنْ لَا يَرْضَى، فَمُرُوا عُرَفَاءَكُمْ فَلْيَرْفَعُوا ذَلِكَ إِلَيْنَا» فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ الْعُرَفَاءُ أَنْ قَدْ رَضُوا وَسَلَّمُوا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَا ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَتَوْلِيَتِكُمُ الْأَعْدَاءَ أَدْبَارَكُمْ، كَشَفَ اللَّهُ نَازِلَ الْبَلَاءِ عَنْكُمْ، بِإِنْزَالِهِ السَّكِينَةَ وَهِيَ الْأَمَنَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ عَلَيْكُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
{وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي قَدْ مَضَى ذِكْرُهَا.
{وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا}
يَقُولُ: وَعَذَّبَ اللَّهُ الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَهُ وَرِسَالَةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَتْلِ وَسَبْيِ الْأَهْلِينَ وَالذَّرَارِيِّ وَسَلْبِ الْأَمْوَالِ وَالذِّلَّةِ.
{وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}
يَقُولُ: هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، يَقُولُ: هُوَ ثَوَابُ أَهْلِ جُحُودِ وَحْدَانِيَّتِهِ وَرِسَالَةِ رَسُولِهِ.