واختار ركوب البغلة إظهاراً لثباته الذي لا ينكره إلا الحمار وأنه عليه الصلاة والسلام لم يخطر بباله مفارقة القتال فقال للعباس وكان صيتاً:"صح بالناس"فناد يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فكروا عنقاً واحداً لهم حنين يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم:"هذا حين حمى الوطيس"ثم أخذ كفاً من تراب فرماهم ثم قال صلى الله عليه وسلم:"انهزموا ورب الكعبة"فانهزموا، وتفصيل القصة على أتم وجه في كتب السير {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ} أي لم تنفعكم تلك الكثرة {شَيْئاً} من النفع في أمر العدو أو لم تعطكم شيئاً يدفع حاجتكم {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ} أي برحبها وسعتها على أن {مَا} مصدرية والباء للملابسة والمصاحبة أي ضاقت مع سعتها عليكم.
وفيه استعارة تبعية إما لعدم وجدان مكان يقرون به مطمئنين أو أنهم لا يجلسون في مكان كما لا يجلس في المكان الضيق {ثُمَّ وَلَّيْتُم} أي الكفار ظهوركم على أن ولي متعدية إلى مفعولين كما في قوله سبحانه: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار} [الأنفال: 15] ويدل عليه كلام الراغب، وزعم بعضهم أنه لا حاجة إلى تقدير مفعولين لما في"القاموس"ولى تولية أدبر بل لا وجه له عند بعض وليس بشيء، والاعتماد على كلام الراغب في مثل ذلك أرغب عند المحققين بل قيام: إن كلام"القاموس"ليس بعمدة في مثله، وقوله تعالى: {مُّدْبرين} حال مؤكدة وهو من الإدبار بمعنى الذهاب إلى خلف والمراد منهزمين. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 10 صـ}