ودلت هذه الآية مع ما ذكرنا من التفسير في العمارة أن الكافر ممنوع من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته، ويمنع عن دخول المساجد، فإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد ومنعهم منها للآية، وقد أنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف في المسجد وهم كفار، وشد ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد وهو كافر، وليس في الآية حجة لمن جعل دخول الكافر المسجد وصلاته فيه إيمانًا منه؛ لأنا لا نأمن أن تكون صلاته قبل سماع الشهادتين منه سخرية واستهزاءً، ولا يكون فعله عمارة للمسجد ما لم تتقدم منه كلمة الإيمان، وإن حملنا العمارة على عمارة البناء سقط هذا الاستدلال.
18 -قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أي: إنما يعمرها بحقها من آمن بالله، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ فإن الله - عز وجل - يقول {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} "، وهذا يدل على أن المراد بالعمارة دخول المسجد والقعود فيه.
وقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} إلى قوله: {وَآتَى الزَّكَاةَ} ، قال ابن عباس:"يعني المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان"، والإيمان بالله يجمع الصلاة والزكاة، ولكنهما من أوكد أقسام الإسلام وما أوجبه الإيمان، فذكرهما، قال الزجاج:"ولم يذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا؛ لأن في قوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} دليل على تصديقه؛ لأن المعنى: وآتى الزكاة التي أتى بتحديدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ."