والمعنى: أنَّ ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جميع ما في الأرض .. لم يتم له ما طلبه من التأليف؛ لأنَّ أمرهم في ذلك قد تفاقم جدًّا، أي: إنه لولا نعمة الله عليهم بأخوة الإيمان التي هي أقوى من أخوة الأنساب والأوطان .. لما أمكنك أن تؤلِّف بين قلوبهم بالمنافع الدنيوية، فالضغائن الموروثة والدماء المسفوكة في الأنصار لا تزول بالأعراض الزائلة، وإنَّما تزول بصادق الإيمان الذي هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة، كما أن التآلف بين أغنياء المهاجرين وفقرائهم وأشرافهم وعامتهم على ما كان بينهم من فوارق في الجاهلية وجمع كلمة البيوت والعشائر مع رسوخ العدوات والإحن .. لم يكن مما ينال بالمال والآمال في المغانم ونحوها، على أن شيئًا من ذلك لم يكن في يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول الإِسلام، وإن كان قد صار في يده شيء كثير منه في المدينة بنصر الله له في قتال المشركين واليهود جميعًا.
وكذلك جمع كلمة المهاجرين والأنصار على ما يدل به كل منهما بميزة لا تتوافر لسواه، فالمهاجرون لهم مزية القرب من الرسول، والسبق إلى الإيمان، والأنصار لهم ميزة المال والقوة، وإنقاذ الرسول وقومه من ظلم مشركي مكة، وإيواؤهم ومشاركتهم لهم في أموالهم، فكل هذا من عوامل التحاسد والتنازع، لولا فضل الله وعنايته. ومن ثم قال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} ؛ أي: جمع بين قلوبهم بعظيم قدرته وبديع صنعه؛ إذ هداهم إلى الإيمان الذي دعوتهم إليه فتألفت قلوبهم {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى {عَزِيزٌ} لا يغالبه مغالب، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور؛ أي: إنه تعالى الغالب على أمره الذي لا يغلبه خداع الخادعين، ولا كيد الماكرين {حَكِيمٌ} في تدبيره ونفوذ نهيه وأمره وفي جميع أفعاله، فينصر الحق على الباطل، ويفضل الجنوح للسلم إذا جنح إليها العدو على الحرب.