وروى البخاري ومسلم وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنَّ الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه .. لم يفلته". والإشارة بقوله:
53 - {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا ...} إلخ، إلى العقاب الذي أنزله الله بهم، وهو مبتدأ، وخبره: ما بعده، والجملة جاريةٌ مجرى التعليل لما حلَّ بهم من عذاب الله، والمعنى: ذلك الذي ذكر من أخذه لقريش بكفرها بنعم الله عليها؛ إذ بعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته فكذبوه وأخرجوه من بينهم وحاربوه .. كأخذه للأمم قبلهم بذنوبهم؛ أي: تعذيب الكفرة بما قدمت أيديهم حاصلٌ بسبب أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يكن مغيرًا ومبدِّلًا بنقمةٍ {نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ} ؛ أي: لم يكن مبدلًا نعمة أنعم بها على قوم كائنًا من كان، كالعقل وإزالة الموانع؛ أي: لم يكن مبدِّلًا إياها بنقمةٍ {حَتَّى يُغَيِّرُوا} ؛ أي: حتى يغيِّر ويبدِّل أولئك القوم {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من الأحوال؛ أي: ما لهم من الحال إلى حال أسوأ منه، فإذا صرفوا تلك النعمة إلى الفسق والكفر .. فقد غيَّروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فاستحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن، يعني: أنَّ الله سبحانه وتعالى أنعم على أهل مكة بأن أطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، وبعث إليهم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، فقابلوا هذه النعمة بأن تركوا شكرها، وكذبوا رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، وغيروا ما بأنفسهم، فسلبهم الله سبحانه وتعالى النعمة وأخذهم بالعقاب، قال السدي: نعمة الله: هو محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - أنعم به على قريش، فكفروا به وكذَّبوه، فنقله الله تعالى إلى الأنصار.