وقولنا: إلى حال أسوأ منه: إشارةٌ إلى دفع ما يقال من أن آل فرعون ومشركي مكة لم يكن لهم حالٌ مرضية حتى يقال أنهم غيَّروها إلى حال مسخوطة، فغير الله نعمته عنهم إلى النقمة، وتقرير الدفع: أنَّ قوله: {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} يعم الحال المرضية والقبيحة، فكما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة .. كذلك تغير الحال المسخوطة إلى ما هو أسوأ منها، وأولئك كانوا قبل بعثة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - كفرةً عبدة أصنام، فلمَّا بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بالآيات البينات .. كذبوه وعادوه وتحزبوا على إراقة دمه، فغير الله نعمة إمهالهم بمعاجلتهم بالعذاب، هذا حاصل ما في"الكشاف"، اهـ"زاده".
وجملة قوله: {وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} معطوفة على قوله: {بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً} داخلة معها في التعليل؛ أي: ذلك بسبب أنَّ الله لم يك مغيرًا ... إلخ، بسبب {أَنَّ الله} سبحانه وتعالى {سَمِيعٌ} لما يقوله مكذبوا الرسل {عَلِيمٌ} بما يأتون وما يذرون، وهو مجازيهم على ما يقولون وما يعملون، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف.
وفي الآية إيماءٌ إلى أنَّ نعم الله تعالى على الأمم والأفراد منوطة ابتداء ودوامًا بأخلاق وصفات وأعمال تقتضيها، فما دامت هذه الشؤون ثابتةً لهم متمكنةً منهم .. كانت تلك النعم ثابتةً لهم، والله لا ينتزعها منهم بغير ظلم منهم ولا جرم، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يلزم ذلك من محاسن الأعمال .. غيَّر الله حالهم وسلب نعمتهم منهم، فصار الغنيُّ فقيرًا، والعزيز ذليلًا، والقويُّ ضعيفًا.
وليست سعادة الأمم وقوتها وغلبتها منوطةً بسعة الثروة، ولا كثرة العدد، كما كان يظن بعض المشركين، وحكاه الله عنهم بقوله: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } .