قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله: {فَشَرّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة ، وجملة {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين} تعليل لما قبلها ، يحتمل أن تكون تحذيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين تخاف منهم الخيانة.
قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} قرأ ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص بالياء التحتية.
وقرأ الباقون بالمثناة من فوق.
فعلى القراءة الأولى يكون الذين كفروا فاعل الحسبان ، ويكون مفعوله الأوّل محذوفاً ، أي لا يحسبنّ الذين كفروا أنفسهم ، ومفعوله الثاني سبقوا ومعناه: فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم.
وعلى القراءة الثانية يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومفعوله الأول الذين كفروا ، والثاني سبقوا ، وقرئ"إِنهَّم سَبَقُوا"وقرئ"يحسبن"بكسر الياء ، وجملة {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} تعليل لما قبلها ، أي إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.
وقرأ ابن عامر"أنهم"بفتح الهمزة ، والباقون بكسرها ، وكلا القراءتين مفيدة لكون الجملة تعليلية.
وقيل المراد بهذه الآية: من أفلت من وقعة بدر من المشركين.
والمعنى: أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة ونجوا فإنهم لا يعجزون ، بل هم واقعون في عذاب الله في الدنيا أو في الآخرة.
وقد زعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم ، أن قراءة من قرأ"يحسبنّ"بالتحتية لحن ، لا تحلّ القراءة بها ، لأنه لم يأت ليحسبنّ بمفعول ، وهو يحتاج إلى مفعولين.
قال النحاس: وهذا تحامل شديد.
ومعنى هذه القراءة: ولا يحسبنّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا ، فيكون الضمير يعود على ما تقدّم إلا أن القراءة بالتاء أبين.