ميعاد {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} في علمه وهو نصر أوليائه وإعزاز دينه وإعلاء كلمته وقهر أعدائه ، وقوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة} بدل من ليقضي أو متعلق بقوله: {مفعولاً} واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالطة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة ، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به ، فإنّ وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.
وقرأ نافع والبزيّ وشعبة بياءين: الأولى مكسورة والثانية مفتوحة ، والباقون بياء واحدة مشدّدة ، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وإنّ الله لسميع عليم} أي: يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم لا تخفى عليه خافية.
{إذ} أي: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ {يريكهم الله} أي: المشركين {في منامك} أي: نومك {قليلاً} فأخبرت أصحابك فسروا وقالوا: رؤيا النبيّ صلى الله عليه وسلم حق ، وصار ذلك سبباً لجرائتهم على عدوّهم وقوّة لقلوبهم.
فإن قيل: رؤيا الكثير قليلاً غلط ، فكيف يجوز على الله تعالى ؟
أجيب: بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يسئل عما يفعل ، أو أنه تعالى أراه بعضهم دون بعض ، فحكم صلى الله عليه وسلم على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون ، وقال الحسن: إنّ هذه الإراءة كانت في اليقظة قال: والمراد من المنام العين التي هي موضع النوم {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم} أي: ولو أراكم كثيراً لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا أي: جبنوا {ولتنازعتم} أي: اختلفتم {في الأمر} أي: أمر القتال وتفرّقت آراؤكم بين الفرار والقتال {ولكنّ الله سلم} أي: سلمكم من الفشل والتنازع فيما بينكم ، وقيل: سلمكم من الهزيمة والقتل {إنه} تعالى {عليم} أي: بالغ العلم {بذات الصدور} أي: بما في القلوب من الجراءة والجبن والجزع وغير ذلك.