وقد خلق الله الإنسان في ظاهره وباطنه في أحسن تقويم، وجعله كالمرآة العاكسة لتجليات الأسماء الحسنى، فهو مرآة لها.
ويظهر ذلك كما يلي:
أولاً: كما أن الظلام سبب لرؤية النور، فكذلك الإنسان يعرف بجهله وضعفه، وعجزه وفقره، وحاجته وقصوره، يعرف بذلك قدرة القدير وقوته، وعلمه وغناه، ورحمته سبحانه.
ثانياً: أن ما وهب الله الإنسان من العلم والقدرة، والسمع والبصر، والملك والحكمة، وغيرها من الصفات الجزئية، يعرف منها الصفات المطلقة الكلية لله سبحانه، ويعلم أن لهذا الكون العظيم ملكاً عظيماً، يعلم ما فيه، ويدبره، ويسمع كل صوت فيه، ويبصر كل صغيرة فيه.
ثالثاً: وكذلك الإنسان مرآة عاكسة للأسماء الحسنى، من حيث ظهور نقوشها الظاهرة عليه، فيعرف من كونه مخلوقاً اسم الخالق، ويظهر من حسن تقويمه اسم الرحمن الرحيم، ومن حيث تربيته اسم اللطيف الكريم. وهكذا في بقية الأسماء.
والله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فصفاته سبحانه كاملة، وصفاتنا ناقصة، وهو منزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فعلمه سبحانه ليس كعلم المخلوق، لأن علم المخلوق كله نقص، نقص في ابتدائه، لأنه مسبوق بجهل، ونقص في غايته، لأنه يلحقه النسيان، ونقص في شموله، لأنه قاصر لا يعلم كل شيء، وهكذا في بقية الصفات الذاتية.
وهو سبحانه منزه أن تكون صفاته الفعلية كصفات المخلوقين كالاستواء على
العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء لفصل القضاء، والرضى والغضب وغيرها.
فتشبيه الخالق بالمخلوق نقص، لأن تسوية الكامل بالناقص تجعله ناقصاً، والله منزه عن ذلك: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } ... [الشورى: 11] .
وإذا أظهر الله صفات الجلال كالجبار والقهار مع عبد أو أَمَة، فذلك لتربيته، فالله أرحم بنا من أنفسنا.
وإذا أظهر المولى الكريم صفات الجمال كالكريم والرحيم واللطيف على عبد أو أَمة فذلك لتربيته كذلك.