أولئك الموصوفون بما ذكر من تعطيل عقولهم وحواسهم هم كالأنعام (البقر والإبل والغنم) لا همّ لهم إلا الأكل والشرب والتمتع بلذات الحياة والدنيا، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا منها لأن الأنعام تحرص على ما ينفعها، وتنفر مما يضرها، ولا تسرف في أكلها وشربها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، وهم مسرفون في جميع اللذات، ولا يهتدون إلى ثواب، ولا قدرة للحيوانات على تحصيل الفضائل، وأما الإنسان فأعطي القدرة على تحصيلها.
أولئك هم كاملو الغفلة عن آيات الله وعن استعمال مشاعرهم وعقولهم فيما
خلقت من أجله، وهو الاستفادة من المسموعات، والانتفاع من المبصرات، وهم الأغبياء الجاهلون الذين لا ينظرون إلى المستقبل، وإنما انصرفوا إلى الحياة الدنيا، وتركوا الاشتغال بما يؤهلهم للخلود في نعيم الحياة الآخرة. وعلى هذا تكون غفلتهم بمعنى ترك التدبر، والإعراض عن الجنة والنار.
أما العقلاء الفطنون فهم الذين عملوا للآخرة، ولم يهملوا ما تتطلبه الدنيا، كما قال تعالى: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص 28/ 77] .
فقه الحياة أو الأحكام:
يرى المعتزلة أن الهداية والضلالة باختيار الإنسان، وأما هذه الآية:
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ فهي في المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم، ونظرا لإيغالهم في الكفر وإصرارهم عليه، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار، جعلهم الله مخلوقين للنار، فالآية تدل على توغلهم في موجبات النار، وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها.