وَلَقَدْ ذَرَأْنا خلقنا وأوجدنا الْجِنِّ مخلوقات خفية لا تدرك بالحواس لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها أي لا يفهمون بها الحق، والقلب هنا هو الذي يسمونه أحيانا (الضمير) ويراد به هنا العقل أو الوجدان أي محل الحكم على الأشياء المدركة، وسبب هذا الاستعمال أن آثار الأحداث من خوف أو سرور تنعكس عليه، فيحدث الانقباض أو الانشراح. وكثيرا ما يستعمل في القرآن بمعنى دقة الفهم والتعمق في العلم.
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها دلائل قدرة الله، بصر عظة واعتبار وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم الفهم والبصر والاعتبار بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام لأنها تحرص على ما ينفعها، وتهرب مما يضرها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة.
المناسبة:
بعد أن ضرب الله المثل للمنسلخ من الدين الخارج منه، ليتعظ أولئك الضالون، ويتركوا ضلالهم، ويعودوا إلى الحق، بيّن أسباب الهدى والضلال، من استعمال العقل والحواس، واستخدام هداية الفطرة في سلوك أحد السبيلين:
الخير والشر، كما قال تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد 90/ 10] .
التفسير والبيان:
من يوفقه الله للإيمان والخير واتباع الشرع والقرآن باستعمال عقله وحواسه، فهو المهتدي حقا لا سواه، ومن يخذله ولا يوفقه، ولا يهديه إلى الخير واتباع القرآن، بسبب تعطيل عقله وحواسه في فهم آياته الكونية والشرعية، فهو الخاسر البعيد عن الهدى، الذي خسر الدنيا والآخرة.
وبما أن الهداية الإلهية نوع واحد والضلالة أنواع متعددة، أفرد الله المهتدي، وجمع الخاسرين، فقال: فَهُوَ الْمُهْتَدِي ثم قال: فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.