أحدهما: أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه، وهو مبالغة في حقه حيث جعل إماما للشيطان.
وثانيهما: أن يكون متعديا لاثنين لأنه منقول بالهمزة من تبع، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فأتبعه الشيطان خطواته، أي جعله تابعا لها:
وقوله وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الإنسلاخ وما يتبعه.
والضمير في قوله لَرَفَعْناهُ يعود إلى الشخص المعبر عنه بالاسم الموصول الَّذِي والضمير في قوله بِها يعود إلى الآيات. ومفعول المشيئة محذوف.
أي: ولو شئنا رفعه بسبب تلك الآيات إلى درجات الكمال والعرفان لرفعناه لأننا
لا يستعصى على قدرتنا شيء ، ولكننا لم نفعل ذلك لأن سنتنا جرت أن نرفع من عنده الاستعداد لذلك أما الذين استحبوا العمى على الهدى فنذرهم في ضلالهم يعمهون.
وقد بين القرآن هذا المعنى في قوله: وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ أخلد إلى الأرض: أي ركن إليها. وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود.
أي: ولو شئنا لرفعنا هذا الإنسان إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات ولكنه هو الذي ركن إلى الدنيا، واطمأن بها، واستحوذت بشهواتها على نفسه، واختار لنفسه طريق التسفل المنافى للرفعة، واتبع هواه في ذلك فلم ينتفع بشيء من الآيات التي آتيناه إياه.
أي: أن مقتضى هذه الآيات أن ترفع صاحبها إلى أعلى عليين، ولكن هذا المقتضى عارضه مانع وهو إخلاد من أوتى هذه الآيات إلى الأرض واتباعه للهوى، فتغلب المانع على المقتضى، فهو كما قال القائل:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثلما يقتضى
فقلت: لما لم يكن عاملا ... تعارض المانع والمقتضى
قال الآلوسي: وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه - تعالى - ونسبة الإنسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله - تعالى - ، إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه. ومن هنا قال صلّى الله عليه وسلّم اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك».
وقوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.
اللهث: إدلاع اللسان بالنفس الشديد. يقال: لهث الكلب يلهث - كسمع ومنع - لهثا ولهاثا، إذا أخرج لسانه في التنفس.