أيها المتعبد: خف من الفتن ولا تأمن، كم قد أخذ أمنٌ من مأمن، إنه لم ينج من غطامط بحر الفتن الأعظم حافظ الاسم الأعظم، بل عام بلعام، رفل في حلل النعم كالنعم، غافلاً يتعامى عن النعم، وكانت بنية نية تعب تعبده على رمل الريا، فجرت تحتها أنهار التجربة، فانهار بنيانها فتخرب، كان على دينار دينه ورقة رقة، فأعجب نضره نواظر الناظرين، فلما حكه المنتقد على حجر الحجر افتضح بين أهل الحجى، وكان ظاهره لثقا بالتقى، وباطنه باطية لخمر الهوى، فلقد خبأ الخبايث في طي الطويات، فلما أراد المقدر تنبيه جاره على جوره، تقدم إلى القدر بهتك ستره، فآتاه وهو في عقر عقار الهوى، يعاقر عقار الريا وقد رفعت عقيرتها عاقر الفهم إلى أن عقر بعقر قلبه فعاد عقيراً، فدعه القدر إلى صف صفصف الدعوى، وأرسل عليه لإصراره صرصر العجب، فمزقت جلبات التعبد، فصيره عصفها عصفاً فانكشف عوار عورته فعوى، فإذا به كلب غفور، وقصة إقصائه أن القدر ساق الكليم إلى محاربة فساق بلدته، فقالوا له: اشحذ موسى الدعاء على موسى، فمج فوه مجمجة التمنع، فخوفوه بنحت خشبة، فخشته خشية الخلق، فخرج حتى أتى على أتان
فلما قفا وقفت ليقف سير عزمه، فضرى بضربها حتى أضرَّ بها، فقامت في المحجة تتكلم بالحجة عليه، لم تضربني؟ وهذه نار تمنع الماشية المشي، فرجع إلى ملكهم فأخبره خبره، وما نقل العتب المقصود ولا خبره، فألجأ الملك إلى صلب عزمه إلى أمر صلب، إما الدعاء عليهم وإما الصلب، فخرج فأتبعه الشيطان، فما كان إلا أن بلغ المكان"فكان من الغاوين"تالله ما عدا عليه العدو، إلا بعد أن تولى عنه الولي، فلا تظنن أن الشيطان غلب، وإنما العاصم أعرض، وإن شككت فاسمع هاتف القدر، مخبراً عن عزة القادر"ولو شئنا لرفعناه بها". انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...