وزاد صاحب النظم لهذا المذهب بيانًا حكايته عن بعضهم، فقال:(إن الله عز وجل لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن، صار ما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن عنده، إذ علمُه بكونه مانعٌ من غير كونه، فسايغ في مجاز العربية أن يضع ما هو منتظر مما لم يقع بعد موضعَ الواقع لسبق علمه بوقوعه، وكما قال عز وجل: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: 50] وأمثاله، فيكون تأويل قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} : وإذ يأخذ ربك، وكذلك قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي: ويشهدهم بما يركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، فكل من ولد وبلغ الحنث وعقل الضر والنفع وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه وضعفه وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد من خالق هو غيره ليس كمثله، وكل من بلغ وعقل فقد أخذ عليه العهد والميثاق إذ جعل فيه السبب الذي به يؤخذ الميثاق وهو العقل، واحتج أصحاب هذا القول بقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأحزاب: 72] ، قالوا: فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، وامتناع السماوات والأرض من حملها خلوهما من العقل الذي يكون به الفهم،
وحمل الإنسان إياها لمكان العقل فيه) .
قال صاحب النظم: (ونحن إلى ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ذهب إليه أهل العلم والسنة من السلف الصالح، أَمْيَلُ وله أَقْبَلُ وبه آنَسُ والله عز وجل ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى بمنّه) .