ومن لطائف التفسير في هذا المقام ما لاحظه ابن كثير رحمه الله من الفرق بين هذه الآية {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} بتقديم رزق الآباء على الأبناء، والآية الأخرى الواردة في سورة الإسراء {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} بتقديم رزق الأولاد على الآباء، وهو أن الآية الوردة في هذا الربع تتحدث عن الآباء الفقراء فعلا، فجاء قوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} بتقديم رزق الآباء على رزق الأولاد، لأنه هو الأهم هنا في السياق، بخلاف الآية الأخرى الواردة في سورة الإسراء، فقد جاء فيها {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} مما يدل على أن الآباء غير فقراء فعلا، وإنما يخشون الفقر بسبب الأولاد، فأمروا بأن لا يقتلوا أولادهم، خوفا من الفقر الذي يمكن أن يحدث لهم في مستقبل الأيام، ثم جاء التعقيب عليها بقوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} أي نحن نرزق أولئك الأولاد كما نرزقكم، وكان البدء هنا برزق الأولاد للاهتمام بهم، حيث إن رزقهم هو محور الحديث، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم، فرزقهم على الله لا عليكم.
وانتقل كتاب الله من وصية الخاصة بالأسرة المسلمة إلى
وصايا أخرى تتعلق بالمجتمع الإسلامي، والدولة الإسلامية على العموم.
ففيما يخص المجتمع الإسلامي أوصى الله المسلمين بالابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها كالزنى وما بطن كالمخادنة، وذلك صيانة للأعراض، وبعدا عن الاختلاط المرذول، المؤدي إلى اختلاط الأنساب واختلاط الدماء، كما أوصى الله المسلمين بصيانة أموال يتاماهم الذين هم وديعة الله في أيديهم، وبحسن إدارة أموالهم وتنميتها، إعانة لهم، وسعيا إلى تكوين مواطنين صالحين منهم، قادرين على مواجهة مسؤوليات الحياة عندما يبلغون رشدهم وأشدهم، وأوصاهم أيضا بأن لا يختلس بعضهم مال بعض، ولا يضيع بعضهم حق بعض، وذلك قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ، وقوله تعالى، {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} .