وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموماً منا كان مذموماً من الله تعالى فإن تمكين العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منّا دونه {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها. وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ثم لما بيّن فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً} أي طعاماً محرماً {على طاعم يطعمه} على آكل يأكله {إلا أن يكون} ذلك المأكول أو الموجود أو الطعام {ميتة أو دماً مسفوحاً} مصبوباً سائلاً. قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل. وسئل أبو مجلز عما يتلطّخ باللحم من الدم وعن القدر التي سلف في أمثالها ، وانتصاب {فسقاً} على أنه معطوف على المنصوبات قبله ، و {أهل} صفة له منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق كما يقال: فلان كرم وجود. وجوز أن يكون {فسقاً} مفعولاً له من {أهل} وعلى هذا فقد عطف {أهل} على {يكون} والضمير في {به} يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في {يكون} قالت العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بيّن في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه قرآناً أو غيره محرماً سوى هذه الأربعة ، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة مصدرة بكلمة"إنما"الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية ، والذي جاء في المائدة {حرمت عليكم الميتة والدم} [الآية: 3] إلى قوله: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} [الآية: 3] من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى اخرها كانت مستقرة على هذا الحكم.