وإنكم تكونون في هذه الحال، كالحال التي بدأ خلقكم بها ولذا قال تعالت كلماته: (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَولَ مَرَّة) أي تعودون ضعفاء كما خلقكم من ضعف أول أمركم؛ إذ خلقكم ضعفاء لَا تقدرون على شيء ولا تملكون شيئا، وفي النص إشارة إلى حجة البعث على الذين ينكرونه، ويستغربونه، إذ مؤداها أنه خلقكم ابتداء بقدرته، ويعيدكم بقدرته، ومن كان قادرا على الإنشاء، هو على الإعادة أقدر، وهو العزيز الحكيم.
وإن كل ما كانوا يملكونه من مال ونسب، وعبيد، وصولة، وسلطان يكون وراء ظهورهم وقال تعالى في ذلك: (وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) خولناكم أي مكناكم من أموال وأنعام، وسلطان، وراء ظهوركم، أي جئتم إلينا، وقد خلفتموه وراء ظهوركم فلا يمكن حينئذ أن تعتزوا بشيء منه، وقوله تعالى: (وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) تشبيه لحالهم في أنهم لَا يأخذون شيئا معهم كمن ترك ما يملك وراء ظهره، وذهب تاركا له، أو من ولَّى الأدبار من اللقاء فقد كانوا يغترون بأموالهم، وأصبح لَا يعرف ماله، فضلا عن أن يغتر به كما كان في الدنيا، ولم يعد المال إلا لحفظ الحياة بالقوت والكساء والصدقة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم أنه قال:"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فهو ذاهب، وتاركه للناس"، تذهب عنهم كل قواتهم الذاتية التي غرتهم واستكبروا بها عن آيات الله تعالى، وغرتهم في الحياة الدنيا، فاغتروا بها، وغرهم بالله الغرور.
ولقد ذكر سبحانه بعد ذلك حالهم مع ما كانوا يعبدون من دون الله تعالى بغير الحق، فقال تعالى:
(وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ) .