الوجه الأول: بيان معنى قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) } .
هذه حيلة أرادها إبراهيم -عليه السلام- لكيلا يخرج معهم، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، فَهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، ولم يكن نظره -عليه السلام- من باب اعتقاده في النجوم، وإنما هو إيهام ليتوصل إلى ما يريد لكي يتوصل إلى غرضه الذي سيكون وسيلة إلى إنقاذهم مما هم فيه.
وأما عن نظره، فالجواب عليه من وجوه:
الأول: أنه تفكر فيما يلهيهم به:
أي: أنه نظر إلى السماء متفكرًا فيما يلهيهم به، وعادة من أراد أن يتفكر في شيء نظر إلى السماء، لأن النظر إلى الأرض يلهيه عن تدبره (1) ، وهو قول قتادة -رضي الله عنه-.
والمعنى أنهم ظنوا أنه نظر في النجوم متنجمًا، ولكنه نظر إليها متفكرًا.
وأهل اللغة يقولون: لمن تفكر في أمره لينظر كيف يدبره نظر في النجوم، ويتفكر بمعنى ينظر كما في قوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .
الثاني: نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم.
وحاله معهم، وذلك كله لا سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم ليخرج من ذلك بحيلة.
الثالث: أنه رأى نجمًا طالعًا فعلم أن له خالقًا.
فكان هذا نظره في النجوم (5) ، والمعنى أن هذه النجوم لا تستطيع أن تدبر أفعال العباد، وهو منسوب إلى سعيد بن المسيب.
الرابع: نظر في النجوم هو قوله سبحانه: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} وهذا قبل البلوغ.
وهذه النظرة هي النظرة التي استدل بها على التوحيد في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} ، وأن العرب تطلق على كل ما في القرآن نجومًا على صفة التغليب، قال تعالى: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} .
الخامس: نظر في أحكامها، ولم ينظر إليها بعينها.