منه كما يترك الفعل لهذا وقد يرى فعله خيرًا منه وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه كخروجه من المدينة لأحد وكان مذهبه التحصن بها وتركه قتل المنافقين وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ورعاية للمؤمنين من قرابتهم وكراهة لأن يقول الناس:"أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ".
كما جاء في الحديث وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغيرها وحذرا من نفار قلوبهم لذلك، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله، فقال لعائشة في الحديث الصحيح:"أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَلا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟. قَالَ:"لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ"."
ويفعل الفعل ثم يتركه لكون، ويبسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه، ويصبر للجاهل ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه، ويتولى في منزله ما يتولى الخادم من مهنته، ويتسمت في ملاءته حتى لا يبدو منه شيء من أطرافه وحتى كأن على رؤوس جلسائه الطير ويتحدث مع جلسائه بحدث أولهم، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويضحك مما يضحكون منه، وقد وسع الناس بشره وعدله لا يستفزه الغضب ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه.
2 -شبهة: حول تعيين الذبيح، وعلاقته بالصلب والفداء.
قال تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات: 157) . اعترض المعترضون وقالوا: ماذا يعني بالذبح العظيم؟ هل هو الخروف البديل عن إسحاق؟ أم ماذا يشير إليه الخروف؟ وقاسوا مسألة الذبيح على مسألة الصلب، حيث قالوا: إن الخروف يرمز إلى المسيح الذي فدى البشرية بموته على الصليب، كما أن الخروف بديلًا عن إسحاق.
فوقعوا في خطأين: الأول: هو اعتقادهم في الذبيح هو إسحاق.
الثاني: وضع مبررات لمسألة الصلب والفداء، قياسًا على فداء إسحاق بذبح عظيم. ثم إنهم قالوا: إن قصة الذبيح عندنا أمر من الله، وعندكم رؤيا نوم.
والجواب على ذلك في بابين:
الباب الأول: تعيين الذبيح من ولدي إبراهيم عليه السلام في هذه الوجوه: