كل هذا ما يوضح بأتم أنواع الإيضاح عن شدة عناية الله تعالى بمن سبق في علمه أنه سيتخذه رسولًا لخلقه، وليس ذلك خاصًا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو لكل واحد من أنبيائه، فإذا رجعت إلى القرآن الكريم رأيت هذا في قصص الأنبياء بيِّنًا واضحًا {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) ، وعلى الأخص من هذا صفوة الأنبياء وأفضل المرسلين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي نشَّأه الله أطيب نشأة وأزكاها وأبرأها وأبعدها من كل نقيصة أو دنية، حتى كان زينة المجالس في قومه ومرجع الأحكام وموئل الكرام، ومثال عزة النفس، فكان سرهم وحلَّال مشكلاتهم، وحرز أماناتهم.
قال ابن العربي: قَدْ بَيَّنَّا فِي السَّالِفِ فِي كِتَابِنَا هَذَا -أحكام القرآن- وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عِصمَةَ الْأَنْبِيَاءِ -صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ- مِنْ الذُّنُوبِ، وَحَقَّقْنَا الْقَوْلَ فِيمَا نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَعَهِدْنَا إلَيْكُمْ عَهْدًا لَنْ تَجِدُوا لَهُ رَدًّا أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نَبِيًّا إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ الله، لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَخْبَارَهُمْ مَرْوِيَّةٌ، وَأَحَادِيثَهُمْ مَنْقُولَةٌ بِزِيَادَاتٍ تَوَلَّاهَا أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا غَبِيّ عَنْ مِقْدَارِهِمْ، وَإِمَّا بِدْعِيّ لَا رَأْيَ لَهُ فِي بِرِّهِمْ وَوَقَارِهِمْ، فَيَدُسُّ تَحْتَ المُقَالِ المطْلَقِ الدَّوَاهِي، وَلَا يُرَاعِي الْأَدِلَّةَ وَلَا النَّوَاهِيَ.
أولًا: تعريف العصمة.
العصمة لغة:
العصمة وردت في اللغة لعدة معان منها:
1 -المنع:
قال ابن منظور: العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عَصمه، يَعْصِمه، عَصْما: منعه ووقاه.
2 -الحفظ: