وعن وبرة قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى أمامك فارمه - - فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا -
قال في (الفتح) : وفيه دليل على أن السنة يرمي الجمار ـ في غير يوم الأضحى ـ بعد الزوال - وبه قال الجمهور -
وخالف فيه عطاء وطاووس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقا - ورخص الحنفية في الرمي قبل الزوال في يوم النفر، أي يوم النزول من منى، وكذلك روي عن إسحاق -
وهذه هي المسألة التي اختلف فيها الشيخ عبد الله بن زيد المحمود مع علماء الرياض منذ أكثر من ثلاثين عاما - وكتب فيها رسالة (يسر الإسلام) ، واشتد المشايخ هناك في الرد عليه، مع أن جواب ابن عمر لمن سأله ـ رغم تشدده في الاتباع ـ يدل على سهولة الأمر عنده، وحسب المسلم في ذلك أن يتبع أمير الحجيج، قدم أو أخر -
وقد اختلف الفقهاء في حكم الرمي نفسه، كما في (الفتح) -
فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم -
وعند المالكية: أنه سنة مؤكدة -
وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه -
ومقابله: قول بعضهم: إنما شرع الرمي حفظا للتكبير، فإن تركه وكبر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها -
ويقول بعض الأخوة: إن الرأي الذي ينفرد به فقيه أو اثنان خلافا لجمهور الأمة، يجب أن لا يعتد به ولا يعول عليه -
وقال غيرهم: إن ما خالف المذاهب الأربعة التي تلقتها الأمة، بالقبول، يجب أن يرفض ولا يقام له اعتبار -
والحق أن هذا كله لا يقو عليه دليل من كتاب أو سنة -
فالإجماع الذي هو حجة ـ على ما قيل فيه ـ هو اتفاق جميع المجتهدين على حكم شرعي، ولم يقل أحد: إنه اتفاق الأكثرية، أو الجمهور فالأمر ليس أمر تصويت بالعدد -
صحيح أن لرأي الجمهور وزنا يجعلنا نمعن النظر فيما خالفه، ولا نخرج عنه إلا لاعتبارات أقوى منه، ولكنه ليس معصوما على كل حال -
وكم من صحابي انفرد عن سائر الصحابة برأي لم يوافق عليه سائرهم، ولا يضره ذلك -
وكم من فقهاء التابعين من كان له رأي خالفه آراء الآخرين - ولم يسقط ذلك قوله - فالمدار على الحجة لا على الكثرة -