وإذا كان في هذا الحديث بعض الضعف، من ناحية إسناده، فهناك حديث آخر في معناه يشهد له، وهو ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا"، ثم تلا: (وما كان ربك نسيا) (الآية 64 من سورة مريم) -
فالعفو هنا في معنى الرحمة في الحديث السابق، وكلها تدل على قصد التوسعة والتيسير على هذه الأمة - وذلك يتمثل في أمرين:
1 -ترك النص على بعض الأحكام، أو (السكوت عنها) بتعبير الحديث الشريف وترك ذلك للعقول المسلمة لتجتهد في فهمه في ضوء المنصوص على حكمه -
2 -صياغة ما نص عليه من الأحكام ـ في غالب الأمر ـ صياغة مرنة بحيث تتسع لتعدد الأفهام، وتنوع الآراء والاجتهادات -
ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعا بذلك -
بل نجد خليفة راشدا من أئمة الهدى ـ وهو عمر بن عبد العزيز ـ يرى بما أوتي من علم وبصيرة، في اختلاف الصحابة سعة ورحمة فيقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة -
يعني أنهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم - كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية، وظلوا معها أخوة متحابين -
ويروى ذلك عن القاسم بن محمد أيضا أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عهد التابعين بالمدينة، فقد سئل عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، فقال: إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة -
وروى ابن عبد البر النمري بسنده إلى يحيى بن سعيد قال: ما برح أولو الفتوى يفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه -