عنده خزائن الله، وهو على ذلك يشير الماء من بين أصابعه، ويدعو بالمطر الجود،
ويشير إلى السحاب السماء يمنة ويسرة، فتنجاب استجابة لإشارته بيده هكذا
وهكذا، ويجعل به قليل الطعام كثيرًا إلى غير ذلك من آياته من هذه الجهة.
وبكونه من البشر وليس بملك، وهو على ذلك عليه هدي الملك سمتا ووقارًا،
وخيرًا وعبادة، وتقوى وخشية لربه واستجابة له، والملائكة تتنزل عليه - على
جميعهم سلام الله ورحمته - بالذكر والوحي، والنصر والولاية والمحبة، وبأنه لا
يعلم الغيب، وهو بذلك يخبر بالغيوب وينذر المنذرين ويبشر المبشرين، ويُنزل
عليهم الخبر من السماء، ويخبر ما كان وما يكون، ويتلو كتاب الله - جلَّ جلالُه - ، وكلامه
الحكيم ينزل عليه من لدن رب العالمين إلى الروح القدس، إلى الروح الأمين إلى
قلبه المقدس المطهر، إلى لسانه الصادق قرآنًا عربيًا أعجز الثقلين وبهر العرب
والعجم، فكان تعريه من أوصاف الملائكة - عليهم السلام - وعلم الغيوب
وخزائن الله مع موجود ما يوجد عنده من ذلك أدل دليل، وأعرب شاهد بالحق على
علم.
حقق ذلك بقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) لذلك قال - عزَّ من قائل -
وقوله الحق: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) هو البصير المعني بهذا النعت هاهنا، والأعمى هو سواه من ليس بنبي ولا رسول، وأغرقهم في العمى من كذب
وعتا، ثم يسري نور البصر في كل من آمن واهتدى هم درجات عند الله، ختم ذلك
بقوله الحق: (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) يريد فيما تقدم ذكره.
قوله عزَّ من قائل: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ...(53) . الكاف للتشبيه،
وذلك إشارة إلى المشار إليه موضعه الكاف من ذلك.
يقول الله - جل قوله - وهو أعلم: وكما فتناهم بل كذلك فتنا بعضهم ببعض
(لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) يعني - جلَّ جلالُه -: المهتدين، كقولهم:
(لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) .
يقول الله جلَّ من قائل: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) كما قال -