والذي يسبب المتاعب للناس هم الجهلة ؛ لأن الجاهل يعتقد في قضية ويؤمن بها وهي تخالف الواقع . وعندما جاء العلماء عند هذا القول الحكيم: {مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا بِجَهَالَةٍ} . قالوا: إن الجهالة هي السفه والطيش ، والطيش يكون بعدم تدبر نتائج الفعل . والسفه ألا يقدِّر الإنسان قيمة ما يفوته من ثواب وما يلحقه من عقاب . وقد يكون الإنسان مؤمناً ، لكنه يرتكب السوء لأنه لم يستحضر الثواب والعقاب ويرتكب من السوء ما يحقق له شهوة عاجلة دون التمعن في نتائج ذلك مستقبلاً ، ولو استحضر الثواب والعقاب لما فعل ذلك السوء .
ويمكن أن نفهم أيضاً الجهالة على أنها ارتكاب الأمر السيئ دون أن يبيت له الإنسان أو يخطط ، وذلك كأن يخطط إنسان السفر إلى باريس لطلب العلم ، وعندما وصل إلى هناك جاءت له امرأة في غرفته في الفندق وهي في كامل فتنتها وزينتها ، وألحت عليه لارتكاب الفحشاء ، فلم يقدر على نفسه .
هذا فعل للسوء بجهالة ؛ لأنه لم يخطط لذلك السوء ، وهو يندم من بعد ذلك ، ولا يحكي عن ذلك الفعل بفخر أبداً .
هناك فارق - إذن - بين هذا الإنسان وإنسان آخر بحث في عناوين بيوت اللذة في باريس قبل أن يسافر إليها ، إنه بذلك يخطط لفعل المنكر وارتكاب الفحشاء . ويصر على السوء ، ويتفاخر به ولا يندم على فعل ؛ هذا الصنف من البشر لا يغفر له الله إن استمر على هذا الحال حتى شارف الموت أو أدركه الموت ، ولذلك يقول الحق: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17] .