-أيأذن لهؤلاء ويتركنا نحن؟ لقد صرنا مسلمين . فقال قائل منهم يفهم ويفقه أمر الدين: أكلكم ورم أنفه أن يؤذن لهؤلاء قبلكم ، لقد دعوا فأجابوا ، ودعيتم فتباطأتم ، فكيف بكم إذا دعوا إلى دخول الجنة وأُبطئ دخولكم .
إنّ هؤلاء الضعفاء يريدون بالطاعة وجه الله ، وكلمة"وجه الله"تدل على أن الإيمان قد أُشْرِب في قلوبهم ، وأنهم جاءوا إلى الإيمان فِراراً بدينهم من ظلم الظالمين وطغيان الطغاة الذين كانوا يريدونهم على الكفر والضلال . إنهم قد حلا لهم الإيمان ، وحلا لهم وجه الله ، وحلا لهم أن يؤجل لهم كل الثواب إلى الآخرة .
وحين نسمع قول الحق: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فهذا وصف لله بأنّه - جل شأنه - له وجه ، ونطبق في هذه الحالة ما نطبقه إذا سمعنا وصفاً لله ، إننا نأخذ الوصف في إطار قوله الحق: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
ويطلق الوجه ويراد به الذات ، لأن الوجه هو السمة المميزة للذوات . فأنت إن قابلت أناساً قد غطوا وجوههم واستغشوا ثيابهم وستروا بها رءوسهم فلن تستطيع التمييز بينهم .
ويقال: فلان قابل وجوه القوم . أي التقى بالكبار في القوم . والحق سبحانه وتعالى يقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} ، ويقول الحق سبحانه: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} وفي هذا القول حرص على كرامة المستضعفين ؛ فقد يقول قائل:
لقد استجار هؤلاء الضعفاء بالدين حتى يفروا من ظلم الظالمين وليس حباً في الدين ، فيوضح الحق: ليس هذا عملك ، وليس لك إلا أن تأخذ ظاهر أعمالهم وأن تكل سرائرهم إلى الله .
{مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين} [الأنعام: 52] .