ويحتمل: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) ، أي: تركوا ما وعظوا به، يعني: بالأمم الخالية لما دعاهم الرسل فكذبوهم (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ) ، أي: أنزلنا عليهم أبواب كل شيء من أنواع الخير بعد الضر والشدة الذي كان نزل بهم.
(حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) .
اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ المبلس: الآيس من كل خير.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: المبلس: الآيس الملقي بيديه.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المبلس: هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من الخير.
وقال الفراء: المبلس هو المنقطع الحجة، وقيل: لذلك سُمي إبليس لعنه اللَّه إبليس لما أيس من رحمة اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ...(45)
قيل: استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعًا، والظلم هاهنا: هو الشرك، وقيل: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، أي: أصلهم.
وقيل: دابر القوم، أي: آخرهم
وكله واحد، وذلك أنه إذا هلك آخرهم وقطعوا، فقد استؤصلوا.
ويشبه أن يكون قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، أي: قطع افتخارهم وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به ويتكبرون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
الحمد في هذا الموضع على أثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه، وإلا فالحمد إنما يذكر على أثر ذكر الكرامة والنعمة، لكن هاهنا وإن كان نقمة وإهلاكًا فيكون للأولياء كرامة ونعمة؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من اللَّه، فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام فيكون خيرًا للأولياء وكرامة، وما من شيء يكون شرا لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خير لآخر، فيكون الحمد في الحاصل في الخير والنعمة.