أقول ذلك حتى لا يخطئ أحدنا فيظن أن إخبار إنسان لإنسان بمصير شيء ضاع منه هو معرفة للغيب ، فقد يكون هذا غيباً بالنسبة لصاحب الشيء الضائع ، ولكنه ليس غيباً بالنسبة للص الذي سرقه ، ولا هو غيب بالنسبة للشخص الذي أخفى المسروقات ، ولا هو غيب بالنسبة للجان المحيطين باللص ، إذن فهذا ليس غيباً مطلقاً ، ولكنه غيب معلوم للغير . إذن فخزائن الحق سبحانه وتعالى ملأى بكل أنواع الخير التي تؤدي للإنسان مهمة البقاء في الأرض سواء من جهة الضرورات أو الأشياء الترفية . {ولا أَعْلَمُ الغيب ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50] .
إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه بقول الحق ثلاثة أشياء: منها شيئان ينفيان الألوهية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي ملكية خزائن الكون ، وعلم الغيب ، وشيء ثالث وهو أنه ليس مَلَكاً ، فهل يعني ذلك أن المَلَكَ أرفع من النبي؟ لا ، ولكنهم قالوا له: إنما يمشي في الأسواق ويتكسب العيش بالعمل ، والمَلَك لا يفعل ذلك . ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من المَلَك ؛ لأنه يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملِكُ الملوك ، وهو الحق سبحانه وتعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحىإلي} .
إنه من فرط ارتفاعه في الصدق المبلغ عن الله يعلن حقيقته صلى الله عليه وسلم بأنه من البشر ، والبشر ابن أغيار ، ويعلم شيئاً ، ويجهل شيئاً ، ومن مصلحة المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعاً لا مبتدعاً ، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف الخالق بألفاظها لا أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل . فلو ابتدع لابتدع في إطار بشريته ، وفي ذلك نزول لا ارتقاء ، لكنه في الاتباع يأتي بالارتقاء للبشر ؛ لأنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولاً . ولذلك كانت الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً له ولنا . أما أُمّيَّة الإنسان العادي فهي عيب ، إنما أُمّيَّة محمد صلى الله عليه وسلم هي الكمال .