إذن فالرسول مُعَلَّم غيب وليس عالم غيب . والغيب - كما نعلم - هو ما غاب عن الحس ، ولم توجد له مقدمات تدل عليه ، فهناك أشياء تغيب عنك ولكن لها مقدمات ، فإن التزمت بالمقدمات من بدايتها يمكنك أن تصل إلى النتيجة . مثال ذلك: إن أعطيت تلميذاً مسألة حسابية ليقوم بحلها ، وعندما يحل التلميذ هذه المسألة فهو لم يعلم الغيب ، ولكنه أخذ المقدمات والمعطيات ، وبحث عن المطلوب ، وأخذ يرتب المعلومات ليستنبط منها النتيجة .
وكذلك حال الذين اكتشفوا أسراراً في الوجود ، أعلموا غيباً؟ لا ، إنهم فقط استخدموا بعضاً من المقدمات التي كانت موجودة أمامهم في الكون ، وتوصلوا إلى نتائج جديدة ، صحيح أن هذه النتائج كانت غائبة عنا ، ولكن مقدماتها كانت موجودة ، وكذلك كل النظريات الهندسية ، كل نظرية نجدها تعتمد على سابقتها ، وكل نظرية - حتى أعقدها وأصعبها - هي ملاحظة لأمر بدهي في الكون .
وكل علم من العلوم له مقدمات إن بحث فيها باحث فإنه يصل إلى النتائج الجديدة ، وهذا ما نسميه"غيبا إضافيا"، أي كان غيباً في وقت ما لكنه غير غيب في وقت آخر ، ولذلك يُنسب هذا العلم إلى البشر دائماً ، ولنقرأ قول الحق سبحانه: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] .
والإحاطة بالعلم كلها لله ، وهو سبحانه الذي يأذن لبعض من خلقه بالإحاطة ببعضٍ من هذا العلم ، وكل سر من أسرار هذا الكون لا يولد إلا بإذن منه سبحانه وتعالى ، وهو سبحانه يوفق العلماء أن يبحثوا في المقدمات ليصلوا إلى النتائج . ولكن ماذا عن العلم الذي لا توجد له مقدمات؟ هذا من الغيب المطلق الذي لا يظهره الحق لأحد إلا لمن ارتضى من رسول .