أحدهما: رؤية العَيْنِ، فإذا رأيت هذا عَدَّيْتَ الرؤية بالضمير إلى المُخَاطَبِ، ويتصرَّفُ سِائِرِ الأفعال، تقول للرجل:"أرأيتك على غير هذه الحالِ"، تريدُ: هل رأيت نفسك، ثم تُثَنِّي وتَجْمَعُ فتقول:"أرَأيْتُمَاكُمَا، أرَأيْتُمُوكُمْ، أرَأيْتُكُنَّ".
والمعنى الآخر: أن تقول:"أرأيتك"وأنت تريد معنى"أخبرني"، كقولك: أرأيتك إنْ فَعَلْتُ كذا ماذا تَفْعَلُ، أي: أخبرني، وتترك"التاء"إذا أردت هذا المعنى مُوَحَّدةً؛ لأنهم كل حالٍ تقول:"أرأيتكما، أرأيتكم، أرأيتكنَّ"، وإنما تركتِ العربُ"التاء"واحدةً؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفِعْلُ واقعاً من المُخَاطَبِ على نفسه، فاكْتَفَوْا من علامةِ المُخاطبِ بذكره في المكان، وتركوا"التاء"على التذكير والتوحيد إذا لم يكون الفَعْلُ واقعاً، والرُّؤيَةُ من الأفعال الناقصة التي يُعَدِّيها المُخَاطبُ إلى نفسه بالمكنى مثل: ظنتني ورأيتني، ولا يقولولن ذلك في الأفْعَالِ التَّامةِ، لا يقولون خارجاً؟ وذلك أنَّهم أرَادُوا الفَصْلَ بين الفعلِ الذي قد يُلْغَى، وبين الفعل الذي لا يَجُوزُ إلْغَاؤهُ، ألا ترى أنك تقول:"أنا أضُنُّ خَارجٌ"فتلغي"أظن"وقال الله تعالى
{أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 7] ولم يَقُل: رأى نَفْسَهُ.
وقد جاء في ضرورة الشعر إجْرَاءُ الأفعال التامة مُجْرَى النواقص؛ قال جِرَانُ العَوْدِ: [الطويل]
2166 - لَقَدْ كَانَ لِي عَنْ ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُنِي ... وَعَمَّا ألاَقِي مِنْهُمَا مُتَزَحْزحُ
والعربُ تقول:"عَدِمءتني ووَجَدْتُني"وليس بوجه الكلام. انتهى.
واعلم أنَّ النَّاس اختلفوا في الجملة الاستِفْهَامِيَّةِ الواقِعَةِ بعد المنصوب بـ"أرأيتك" [نحو: أرأيتك] زَيْداً ما صنع؟
فالجموهور على أنَّ"زيداً"مفعول أوَّل، والجملة بعده في مَحَلِّ نصبٍ سادَّةً مَسَدَّ المفعول الثاني.