(إنما مثلت الأمم من غير الناس بالناس في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكِنهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم، إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم ومصالحهم، وقد تقدم في الآية الأولى أن الله قادر على أن ينزل كل آية، فجاء في هذه الآية ببيان أنه القادر على تدبير كل أمة وسد كل خلة) . وإلى قريب من هذا ذهب ابن قتيبة فقال: (يريد أنها مثلنا في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك) .
فهذه أقوال المفسرين وأهل التأويل في هذه الآية. وبعد هذا كله فقد أخبرونا عن أبي سليمان البستي الفقيه - رحمه الله - أنبأ ابن الزئبقي نبأ موسى بن زكريا التستري نبأ أبو حاتم نبأ العُتبي قال: (كنا عند سفيان بن عيينة فتلا هذه الآية: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} فقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنازير التي إذا قدم لها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه، فكذلك تحد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يتحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجد أو حكى خطأ غيره ترواه وحفظه) .
وقال أبو سليمان: (ما أحسن ما تأول أبو محمد هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله تعالى عن وجود المماثلة بيننا وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفًا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق، وإذا كان الأمر كذلك فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم والسباع، فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك) .