قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ... (33) }
احتجوا لهذا القائل بأن الكذب إنما يطلق على من تعمد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به.
وأجاب ابن عرفة: بأن هذا تكذيب لَا كذب، والتكذيب قد يكون فيما قد طابق وفيما وافق.
قوله تعالى: {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ... (34) }
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها عندي أن الإنسان إذا استحضر مقام التوحيد علم أن الأشياء كلها خلق الله تعالى وفعله واختراعه، قيل لابن عرفة: قد يحتج بها من يمنع النسخ في القرآن، فقال: النسخ بحقيقة؛ لأن المنسوخ لم يزل ثابتا في الذهن فلم ينسخ من جميع الوجوه، قيل له: فاليهود بدلوا وغيروا في التوراة، يقال: بدلوا ألفاظها، وأما معناها وهو الكلام القديم الأزلي فلم يقع فيه تبديل بوجه.
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ... (35) }
المراد الهداية بالفعل واعتزل المهدوي هنا، فقال: لاضطرهم إلى الهداية فاهتدوا.
قيل لابن عرفة: قال بعضهم: لو شاء الله لنصب لهم الدلائل المتوسطة ليظهر الحكمة في ذلك فيؤمن بعضهم ويكفر بعضهم فيقع الثواب والعقاب بسبب.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) .
وقال لنوح: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فأورد المفسرون سؤالا من ناحية أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمراد أمته، وإما أن نوحا خوطب بهذا السند وسببه، وإما لأن القريب المحبوب ليشدد عليه النهي أكثر ممن ليس كذلك كراهة أن يقع المحظور، قلت: ونحوه نقل القاضي عياض في مداركه عن بعضهم لمن عرف بالسهروردي المالكي فقيه بغداد، وأنشدوا:
لا تصيب الصديق قارعة التأنيب ... إلا من الصديق الرغيب
وأخبر ابن عطية بأن الأمر الذي نهى عنه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكبر وأعظم من الذي نهى عنه نوح عليه السلام، فكان النهي في الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما بحسب تعلقه، ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بوجهين: