قال ابن عرفة: فيجاب بما أجابوا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) بأن كرمه ورحمته يوحيان الغرور به فلا سبيل يضل عنه، فأجابوا ثم إن المراد: ما غرك بربك المنعم عليك بإرسال الرسل، وبيان الدلائل والمواعظ والزواجر بحيث لَا عذر لك في المخالفة وكذلك هنا.
قوله تعالى: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) . إنما قاله لهم مباشرة وهو ظاهر الآية أو على لسان ملك وهو المناسب لحال المواددين.
قوله تعالى: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) .
إلى شدة عذابهم؛ لأنه لما سمى هذا عذابا دل على أن ما بعده أشد منه.
قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) .
قيل لابن عرفة: احتج بها الفخر الخطيب على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فقال: هذا كفر أخص.
قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ... (31) }
قال أبو حيان: الغاية هنا مجاز؛ لأن ما قبلها لَا ينقطع هنا عندها.
قال ابن عرفة: بل يقول: ينقطع ويكون من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح كقوله:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً ... وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ
قوله تعالى: (يَا حَسْرَتَنَا) .
قلت: الحسرة اللائقة بهم فلذلك أضافوها إليهم.
قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... (32) }
اللعب: الاشتغال بما لَا يفيد بأمر عن أمر ملائم، ولذلك أكثر ما يطلق اللعب على فعل الأطفال واللهو على الرجال.
قوله تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) .
المراد عقل النجاة والفوز لَا عقل التكليف وفعل المجانين من غير قصد، وفعل العقلاء عن قصد وكسب وأعذار، كان الكسب الرأي وهو العلم بما في العمل من مصلحة أو مفسدة، فالفعل إن كانت فيه مصلحة لَا يشهد الشرع باعتبارها فهو لعب ولهو، فمن يأكل ليتقوى على الطاعة فهو مندوب إليه وله فيها الثواب، ومن يأكل لإقامة بدنه خاصة فهذا لمصلحة خاصة فهو سبب النهي، ومن يأكل لمجرد الالتذاذ فهذا يشبه، ووقع في القرآن اللعب مقدما على اللهو مرة، ومؤخرا عنه أخرى فهو دليل على التسوية بينهما في المفسدة.