الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} قَدْ هَلَكَ وَوَكَسَ فِي بَيْعِهِمُ الْإِيمَانُ بِالْكُفْرِ {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ}
يَعْنِي: الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ.
{حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ}
يَقُولُ: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ.
وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي (السَّاعَةِ) ، لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا، وَأَنَّهَا مَقْصُودٌ بِهَا قَصْدُ السَّاعَةِ الَّتِي وَصَفْتُ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بَغْتَةً} فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَنْ تَفْجَؤُهُ بِوَقْتِ مُفَاجَأَتِهَا إِيَّاهُ، يُقَالُ مِنْهُ: بَغَتُّهُ أَبْغَتُهُ بَغْتَةً: إِذَا أَخَذْتُهُ، كَذَلِكَ {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ بِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلِ مَنِ اشْتَرَوْا مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا إِذَا عَايَنُوا مَا بَاعُوا وَمَا اشْتَرَوْا وَتَبَيَّنُوا خُسَارَةَ صَفْقَةِ بَيْعِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا تَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا عَلَى عَظِيمِ الْغَبْنِ الَّذِي غَبَنُوهُ أَنْفُسَهُمْ، وَجَلِيلِ الْخُسْرَانِ الَّذِي لَا خُسْرَانَ أَجَلَّ مِنْهُ: {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}
يَقُولُ: يَا نَدَامَتْنَا عَلَى مَا ضَيَّعْنَا فِيهَا يَعْنِي فِي صَفْقَتِهِمْ تِلْكَ.