الوزر الحمل الثقيل، وسمي به الإثم والذنب؛ لأنه أثقل الأحمال النفسية التي تنوء به القوة، والجملة استعارة تمثيلية لما يثقلون به يوم القيامة من أثقال الآثام، فقد شبهت حال من يحمل الآثام الثقال الكثيرة بحال من يحمل الأحمال الثقال على ظهره وينوء بها؛ لأن كليهما ثقيل، الآثام لوباءتها وعذابها، وقد رشح سبحانه للمشبه به في قوله تعالى: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) فإن هذا بيان لسوء ما يحملون، وقد ابتدأ بـ (أَلا) الدالة على التنبيه، ثم التعجب من شدة ما يحملون، وساء وأساء: تستعمل للتعجب، فمعنى (سَاءَ مَا يَزِرُونَ) ما أسوأ ما يزرون وما يحملون لسوء عاقبته، وما وراءه من عذاب.
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(32)
في هذا النص تكون المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة، أو الحياة العاجلة والحياة الآجلة، أو بالأحرى بين من يطلب الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما وراءها من حياة أخرى، ومن يطلب الحياة الآخرة، وأيهما أمثل، ولذلك كان حصر الحياة الدنيا في أنها لهو ولعب، فإن هناك حصرا بالنفي والإثبات، فهي مقصورة على اللهو واللعب، وذلك لمن يطلبها من غير نظر إلى ما وراءها من حياة أخرى، فإنه حينئذٍ لَا ينظر إلا إلى لذائذها وشهواتها، ولا تكون حينئذ إلا لهوا ولعبا، واللهو واللعب هما الاشتغال بما لَا يجدي في ذاته، ولكن قد يختلفون في حقيقتهما مع قربهما في المعنى، فاللعب العمل الذي لَا مقصد منه إلا تزجية الفراغ وقضاء الوقت، وقد يكون عبثا، واللهو طلب ما يُلهي عن الجد من الأمور من ملاذ وأهواء وشهوات، والفرق بينهما غير محدود، بل هما متقاربان يستعمل أحدهما في موضع الآخر، ومهما يكن فإن الاشتغال بكل واحد منهما لغير غاية مجدية مذمة لَا تجوز من عاقل، وإذا قصد بأحدها الاسترواح حتى يقوى على الجد من غير سأم ولا إملال فربما لَا يكون قبيحا.
وإن قصر الحياة على اللهو واللعب إنما هو لمن أهمل ما وراءها، أما من عنى بما وراءها وقام بالجد من الأمور، فإنها الطريق إلى الآخرة، وهي طريق الذين يتقون.