وقوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ} اختلفوا في وجه هذا السؤال فقال مقاتل: (إن المشركين في الآخرة لما رأوا تجاوز الله تعالى عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: إذا سئلتم فقولوا: إنا موحدون، فلما جمعهم الله قال [لهم] :( {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ) ، فعلى هذا إنما سئلوا ليعلموا أن الله تعالى يعرف أنهم أشركوا به في دار الدنيا، وأنه لا ينفعهم الكتمان.
وقال غيره من المفسرين: (إن المشركين كانوا يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، فقيل لهم يوم القيامة: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها تشفع لكم) ، فكأن معنى هذا السؤال التوبيخ؛ لأنه سؤال في وقت الحاجة إلى الإغاثة عمن كان يدعي أنه يغيث، وأضاف الشركاء إليهم؛ لأنهم اتخذوها وافتعلوها من عند أنفسهم، ومعنى {تَزْعُمُونَ} : تكذبون.
قال ابن عباس: (وكل زعم في كتاب الله كذب) . والعائد إلى الموصول من قوله تعالى: {الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} محذوف، والتقدير {الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أنهم شفعاء، فحذف مفعول الزعم، لدلالة الكلام، وإحالة السؤال عليه.
23 -وقوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} قرئ {يَكُنْ} بالياء والتاء، و (فتنتهم) رفعًا ونصبًا.
وجملة القول في هذا أنه يجوز تذكير الفتنة؛ لأنه بمعنى الافتتان، ويجوز تأنيث {أَنْ قَالُوا} لوجهين: أحدهما: أنه بمعنى المقالة، والثاني: أن قوله: {إِلَّا أَنْ قَالُوا} هو الفتنة في المعنى؛ لأن ذلك القول هو فتنتهم، فإذا أسند الكون إليه جاز تأنيثه، كقوله تعالى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] ، فأنث الأمثال وواحدها مثل، حيث كانت الأمثال هاهنا في المعنى الحسنات، ومثل هذا في الشعر قول لبيد:
منهُ إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدامُها