على أنهم إنما يجهلون جبلتهم. فهي جبلة لا تؤمن. وقولهم هذا عن أنفسهم: إنهم لو ردوا لما كذبوا ولكانوا مؤمنين ، إنما هو كذب لا يطابق حقيقة ما يكون منهم لو كان لإجابتهم من سبيل! وإنهم ما يقولون قولتهم هذه ، إلا لأنه تكشف لهم من سوء عملهم وسوء مغبتهم ما كانوا من قبل يخفونه على أتباعهم ليوهموهم أنهم محقون ، وأنهم ناجون ، وأنهم مفلحون.
{بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل. ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. وإنهم لكاذبون} ..
إن الله يعلم طبيعتهم ؛ ويعلم إصرارهم على باطلهم ؛ ويعلم أن رجفة الموقف الرعيب على النار هي التي أنطقت ألسنتهم بهذه الأماني وهذه الوعود.. {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} ..
ويدعهم السياق في هذا المشهد البائس ، وهذا الرد يصفع وجوههم بالمهانة والتكذيب!
يدعهم ليفتح صفحتين جديدتين متقابلتين كذلك ؛ ويرسم لهما مشهدين متقابلين: أحدهما في الدنيا وهم يجزمون بأن لا بعث ولا نشور ، ولا حساب ولا جزاء.
وثانيهما في الآخرة وهم موقوفون على ربهم يسألهم عما هم فيه: {أليس هذا بالحق؟} .. السؤال الذي يزلزل ويذيب.. فيجيبون إجابة المهين الذليل: {بلى! وربنا} .. فيجبهون عندئذ بالجزاء الأليم بما كانوا يكفرون.. ثم يمضي السياق يرسم مشهدهم والساعة تأخذهم بغتة ، بعدما كذبوا بلقاء الله ، فتنتابهم الحسرة ؛ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم! وفي النهاية يقرر حقيقة وزن الدنيا والآخرة في ميزان الله الصحيح:
{وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا ، وما نحن بمبعوثين. ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال: أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى وربنا. قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون.. قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون. وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، وللدار الآخرة خير للذين يتقون. أفلا تعقلون؟}