سئل ابن عباس عن هذه الآية وعن قوله: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فقال: أما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا لنجحد: قالُوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء 4/ 42] . أي أنهم في الحقيقة يعترفون بواقعهم، وفي الظاهر وحال التخبط في الإجابة ينكرون الشرك، فتارة يكذبون، وتارة يصدقون، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وذلك كله بسبب الدهشة والحيرة.
وتأويل الفتنة في تفسير ابن عباس: هي الشرك في الدنيا، لكن على تقدير مضاف: هو كلمة (عاقبة) أي أن أمر الشرك آل إلى نقيض المطلوب: وهو التبرؤ منه وتركه عند المحنة.
وما أحرج مواقف المجابهة بالحقائق وإظهار الكذب مواجهة، فيا له من خزي وعار! وهذا ما قاله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي تأمل
وتعجب من كذبهم الصريح، بإنكارهم الشرك، وكذبهم باليمين الفاجرة بإنكار ما صدر عنهم.
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ثم انظر وتأمل أيضا كيف ذهب عنهم أو غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الإشراك، حتى إنهم بادروا إلى نفي حدوثه منهم.
ونظيره قوله تعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا: ضَلُّوا عَنَّا [غافر 40/ 73 - 74] .
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات مشهدين أو موقفين من مشاهد ومواقف الكفار.
المشهد الأول- أن أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون ما يدلّ على صفة النّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وصحة أمره، وصدقه، ورسالته، ولكنهم قوم معاندون، خسروا أنفسهم وضيعوا مصالحهم الحقيقية.
المشهد الثاني- أن المشركين عبده الأوثان ومنهم الذين اتخذوا عيسى إليها أو أبنا لله هم قوم ظلمة، لافترائهم الكذب على الله بأن نسبوا إليه ما ليس له، ولتكذيبهم بالمعجزات والبراهين الدالة على وحدانية الله وصدق محمد في نبوته.