إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال الله - تعالى -: أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعندئذ يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا، فذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً.
ثم قال - تعالى - انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
والمراد بالنظر هنا: التدبر والتفكير.
والمعنى: انظر - أيها العاقل - وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم في قولهم والله ربنا ما كنا مشركين، وغاب عن عملهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من الأقوال الباطلة، وما كانوا يفعلونه من جعلهم لله شركاء.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور مع أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا: ألا تراهم يقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم».
وبعد أن بين - سبحانه - أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس من إيمان بعضهم فقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً.
قال ابن عباس: إن أبا سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة
وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف. استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ما أدرى ما يقول، إلا أنى أرى تحرك شفتيه يتكلم بشيء فما يقول إلا أساطير، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه الآية».
والأكنة: جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى والوقر - بالفتح - الثقل في السمع.